القرطبي

162

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - قوله تعالى : ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) " من دونه " من غيره . والهاء تعود على الرب سبحانه ، والمعنى : لا تعبدوا معه غيره ، ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا . وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه . وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ " ولا تبتغوا من دونه أولياء " أي ولا تطلبوا . ولم ينصرف " أولياء " لأن فيه ألف التأنيث . وقيل : تعود على " ما " من قوله : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم " . ( قليلا ما تذكرون ) " ما " زائدة . وقيل : تكون مع الفعل مصدرا . قوله تعالى : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها ) " كم " للتكثير ، كما أن " رب " للتقليل . وهي في موضع رفع بالابتداء ، و " أهلكنا " الخبر . أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع الناس - أهلكناها . ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها ، ولا يقدر قبلها ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . ويقوي الأول قوله : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ( 1 ) " ولولا اشتغال " أهلكنا " بالضمير لانتصب به موضع " كم " . ويجوز أن يكون " أهلكنا " صفة للقرية ، و " كم " في المعنى هي القرية ، فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم . يدل على ذلك قوله تعالى : " وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا " فعاد الضمير على " كم " . على المعنى ، إذ كانت الملائكة في المعنى . فلا يصح على هذا التقدير أن يكون " كم " في موضع نصب بإضمار فعل بعدها . " فجاءها بأسنا " فيه إشكال للعطف بالفاء . فقال الفراء : الفاء بمعنى الواو ، فلا يلزم الترتيب . وقيل : أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا ، كقوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( 2 ) " . وقيل : إن

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 235 وص 174 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 103 .